السيد جعفر مرتضى العاملي
89
تفسير سورة هل أتى
وأما النفس المؤمنة المطمئنة التي تعيش السلام بكل معانيه ، فيريد أن يزيدها يقظة ، وحصانة ، واندفاعاً ، وتوثباً نحو العمل الجاد للرقي في مدارج الكمال ، ونيل المعارف ، والحصول على التوفيقات ، والهدايات ، والألطاف الإلهية ، في كل موقع تكون فيه ، للتحرك منه إلى مواقع تطمح لأن تصل إليها . . فهذا الخطاب الإلهي للمؤمن وللكافر ، هو خطاب تربوي تدبيري ، تعليمي ، يهدف إلى فتح قلب الكافر ليستقبل إشراقة النور ، ثم إلى تثبيت المؤمن ، وتقويته ، ليزداد إيماناً ، ويقيناً ، وإبعاده عن مواقع الخطر ، وتحصينه في مواجهة كل التحديات الشيطانية . على أن من الواضح : أن العلم وحده لن يكون كافياً لتحقيق الهداية ، بل هو قد يكون سبباً في الضلال ، والإضلال . . كذلك الذي * ( أَضَلَّهُ اللهُ عَلَى عِلْمٍ ) * ( 1 ) . . * ( الَّذِي آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانْسَلَخَ مِنْهَا ) * ( 2 ) . . وذلك لأن الشيطان يأتيه عن طريق هذا العلم بالذات ، فيضخم له نفسه ، ويخرجه من حالة التوازن ، ويدعوه إلى العجب ، والزهو ، والعلو ، ويدفعه لأن يدعي ما ليس فيه ، وما ليس له ، ويتجاوز حدوده . . وإنما تمكن الشيطان منه ، لأنه إنما أشغله ببدايات العلم ، فبهرته أحجامه ، وأقسامه ، وطمس وعمّى عليه غاياته الكبرى والسامية والنبيلة . . كالذي يريد تفسير القرآن ، فيشغل نفسه بعدِّ حروفه ، وكلماته . . وخصوصيات النغم الصوتي حين أداء الكلمات ، ويغفل عن المعاني ،
--> ( 1 ) سورة الجاثية الآية 23 . ( 2 ) سورة الأعراف الآية 175 .